التبت يتجلى الصدق من الوقائع
الديبـــــاجة:
كلما تزداد الرغبة في مسألة التبت على نطاق المجتمع العالمي، يتزايد الطلب عن أخبار حولها، إن العالم قد تحرر حاليا مما كان يشغل باله وفكره لأجل معركة أيدولوجية سياسية دائرة بين القوتين الأعظم خلال فترة الحرب الباردة. لذا فإن الحكومات والعمال غير الرسميين يستطيعون التوجه إلى قضايا هامة أخرى مثل الوضع في التبت. وكثير من الحكومات في عملية من إعادة نظرها في سياستها الخارجية في جبهات كثيرة. فينبغي لها أن تعيد النظر في سياستها حول التبت عقب إنتهاء الحرب الباردة وفقا لما تطالبه حقيقة عالمية.
لقد واجهت إجراءات إتخذتها كثير من المؤتمرات والبرلمانات في مختلف أنحاء العالم لملاحظة وضع حقوق الإنسان في التبت والأسباب السياسية التابعة له وما يؤيدها عدد نام من الدول لترفع القضية إلى الأمم المتحدة، مقاومة شديدة من قبل الحكومة الجمهورية للشعب الصيني. من إحداها موجة من الكتيبات الدعائية التابعة لتقليد إستاليني وماوي الرامية إلى إقناع قراء الدول الأجانب بحق الصين على التبت للحكم وبما جرت منفعة عظيمة إلى الشعب التبتي.
فإن هذه الوثيقة " التبت يتجلى الصدق من الوقائع " ترمي إلى إجابة طلب جديد عن معلومات وجيزة على أهم النقط حول مسألة التبت وفي نفس الوقت لتعمل كرد على دعاية صينية خصوصا على ما أصدره مجلس الدولة بعنوان " التبت وحالة حقوق الإنسان " ونشره كالقرطاس الأبيض وليست لدى الحكومة التبتية في المنفى وسائل الإجابة عن كل تمثيل خاطئي يظهر في الدعاية الصينية. ولكن نشعر لكون الشعب التبتي على حق بضرورة شرح الحقائق من جديد شرحا بسيطا، كما نرجو أن هذا العمل سيخدم الحق والإنصاف والمطبوع يتعلق بكثير من القضايا الهامة: مثل قضية أساسية لحالة التبت وصحة دعوى الصين على حق الملك عليها، وحق تقرير المصير للشعب التبتي، وإتفاقية ذات سبع عشرة نقطة وأثرها على وضع التبت، وما أنتجت المقاومة الصينية من أحداث وما جريات، وهروب الدلائي لاما إلى الهند، والنظام الإجتماعي التبتي قبل الإستيلاء الصيني، وإصلاحات ديمقراطية قام بها الدلائي لاما لأول مرة، وأوضاع حقوق الإنسان في التبت المحتلة، والحرمان من الحرية الدينية، والأحوال الجماعية الإقتصادية والإستعمارية، ونقل السكان، وحالة بيئة دولة التبت، ومسائل أخرى غير ذلك متعلقة ببناء التبت أرضا عسكرية أو تحويل التبت إلى أرض المعسكرات، والجهود المبذولة للبحث عن حل لقضية التبت.
وألقيت الأضواء ناقصة على جانب واحد لوضع التبت في الماضي، إلا أنه من المهم أن يطلع على ما يقع ويحدث اليوم في التبت بنتيجة طبيعة إستعمارية متعمقة للحكم الصيني. فنعمد إلى التعرف على الطبيعة الإستعمارية بجانب توسعة الإستعمار الأوربي أثناء القرنين السابقين. أن الحكومتين الآئرلندية والماليزية والحكومات الأخرى أكدت خلال المناقشات حول التبت في المؤتمر العام للأمم المتحدة على ضرورة إنهاء الإستعمار سواء تتخذها الدول في الشرق أو الغرب. تنظر الصين نفسها إلى التبت نظرة إستعمارية كأنها ليست جزءا كاملا للصين، بل إنها منطقة لا صينية تحق الصين الحكم عليها والإستغلال منها، وذلك على مبدا علاقة كانت بينهما قبل سبعة قرون، أو كانت على أحسنها قبل القرنين هذا الوضع يدل عليه من قبل عنوان القرطاس الأبيض للحكومة الصينية، والذي يشير إلى حق الملك على التبت. ولو كانت التبت في الواقع جزءا من الصين منذ مئات السنوات كما تزعم بها الصين، لم تمكن التشكيل غايتها من حق الملك من قبل دولة كنت هي سابقة حزءها. أما فكر الصين بحق ملكها على التبت فهو طبعا فكر إستعماري وإستيطاني.
إن الإستعمارية متصفة بعدد من عناصر هامة كلها توافر في حكم الصين على التبت حاليا، من أكثر صفاتها عام "سيطرة القوة الأجنبية " ، و " حصول الضبط بقوة عسكرية " ، و " المعاملة المنطوية على التفرقة " ، وإصرار متكرر على أن المستعمرة جزء داخلي من " أم الدولة " و "إقرار السيطرة بالسلاح العسكرية أو بالقوة الإقتصادية ، والإدارية بأيدي السلطات الإستعمارية" و " رفض المستعمرين إيجابيا أو سلبيا الإستيلاء الأجنبي " و " الإستخدام بالقوات وقت الحاجة، لقمع أمر مضاد لها " ، و " التنفيذ بالقيم الأيدولوجية والإجتماعية والثقافية الأجنبية بإسم الحضارة والمدنية" و " التنفيذ بمشروعات للتنمية الإقتصادية، والإستغلال من المصادر والثروات والذخائر الطبيعية للمستعمرة لإفادة السلطة الإستعمارية أولا وتكثير نقل السكان إلى المستعمرة، وإهمال البيئة الطبيعية في المستعمرة"، وطمع شديد في إستمرار المستعمرة وإن تسبب ذلك تكلفة سياسية وإقتصادية.
وأكثر صفاتها هذه في الوثيقة وبعض من هذه المسائل ذكرت في القرطاس الأبيض الصيني على التبت بأسلوب يصدق ما تنظر الزعامة الصينية إلى التبت بنظر إستعماري أو استيطاني.
مكانة التبت- من يمتلك التبت:
مكانة التبت زمن غزوها الصيني عام 1949 ويجب تسويتها على مبدا حقائق ثابتة في ذلك الوقت، وفي خلال عقود مسبقة له أي على أساس تاريخ لها جديد، لا على أساسه القديم كما تحاول الصين أن تصنع. إن التبت تعرضت للغزو الصيني كانت دولة مستقلة تتمتع بكل حقوق الدولة حسب القانون الدولي، فكانت فيها مناطق معينة يعيش فيها السكان، وحكومة عاملة تفرض سلطتها عليها وتستطيع أن تساهم في العلاقة الدولية.
أما إدعاء الصين على عدم إقرار التبت علاقات دولية في جو حر، وعدم وجودها كدولة معترف بحريتها، إدعاء لا أساس له من الصحة. تابعة لسياسة محايدة في أغلب التاريخ إن التبت لم تختر أن تكثر من تطوير علاقاتها الدولية. إلا أنها أقرت علاقات ثنائية مع دول في المنطقة إعترفت بها. برغم الزعم الصيني، تظهر دراسة تاريخ التبت أنها في أي وقت لم تكن جزءا داخليا من الصين. وليس الأمر بمتنازع في أن التبت عاشت عصورا مختلفة ممارسة نفوذها في البلدان المجاورة لها أو بقيت نفسها مؤثرة بنفوذ تلك البلدان.
من الصعب أن توجد في العالم اليوم دولة ظلت طوال تاريخها من دون سيطرة أجنبية عليها، أو نفوذ أجنبي فيها ولو لوقت قصير. على أن التبت لم تستعمر أو تدمج قط بإستخدام القوة. لأجل ذلك اليوم رغم مرور أربعين سنة على الإحتلال إنها بلاد حرة تحت إستيلاء غير قانوني. وذلك ما اعترفت به كثير من الدول مثل الكونجرس الأمريكي والبرلمان الأوسترالي في أواخر عام 1992. إن الشعب التبتي اليوم هو أفضل نموذج لشعب يريد تحقيق تقرير المصير. مؤتمرات القانون العالمية المنعقدة حاليا اكدت على ضرورة الإعتراف بحق الشعب التبتي تقرير مصيرهم في أقرب فرصة.
دعا الدلائي لاما الصين إلى إتفاق حول إجراء الإستفتاء تحت مراقبة دولية لكي يتمكن التبتيون من التعبير عن أمانيهم نحو حقوقهم بأسلوب ديمقراطي إلا أن الصين نفت ذلك حتى اليوم.
الهجوم على التبت وضمها غير الشرعي (1951- 1949):
تدعي الحكومة الصينية بأن "أتفاقية ذات سبعة عشر نقطة لتحرير التبت السلمي " المزعومة الموقعة عليها عام 1951، في أعقاب هزيمة جنود بتتية قليلة العدد والعدد، تثبت أن التبتيين ليسوا متفقين فحسب، بل الواقع وجهوا النداء إلى القوات الشيوعية الصينية لتحرير التبت، ولكن الحقائق توضح أن الحكومة التبتية إكرهت على قبول الوثيقة التي صاغتها الصين نفسها، كما هددت المفاوضين التبتيين بإغارتها العسكرية الشاملة على التبت في حال منعهم من التوقيع عليها.
والمعاهدات التي طبقت على بلاد في ظل التهديد أو بإستخدام القوة لا يعترف بها في نظر القانون العالمي، لذلك لا تمكن أن تخدم الحق وإنها بعكس ذلك تعتبر هجوما غير شرعي على المنطقة. إن الصين تعتقد في جميع إتفاقيات ومعاهدات تقوم على عدم المساواة أن تعتبر بها ملغية. وليس هناك أوفق مثال لها من إتفاقية ذات سبعة عشر نقطة التي تمت بين التبتيين والصينيين عام1951.
ثورة قومية:
بدات المقاومة ضد الإحتلال الصيني في مستهل عام 1952ن وتوسعت بكثافة في 1959، واستمرت منذ بدايتها في الخفاء حتى اليوم. على رغم ما بذل الدلائي لاما من محاولات للبحث عن حل المسالة مع الحكومة الصينية فقد اتضح الأمر جليا مرة بأن كان رد الدول العالمية المؤثر في الإعتداء الصيني ليس بآت في وقت لاحق. فلم تكن تمنع سلسلة من الإعتداءات والعنف، وأصبح اللاجئون يصبون من التبت الشرقي في العاصمة لاسه لما كانوا يقاسون معاناة ومظالم أليمة ومعاملات وحشية من قبل الصين.
فلما كان وجود الصينيين في كافة أنحاء الدولة أدى إلى تكثير الإعتداءات على الشعب التبتي ثاروا عليهم فوقفوا جميعا ضدهم يائسين وآملين في مارس عام 1959. فقامت قوات التحرير للجمهاهير بإخماد الثورة بشكل تام، وزعمت بأنها قامت بمقتل 87000 شخص تبتي خلال مارس عام 1959، وأكتوبر عام 1961، في عاصمة التبت فقط. وتم هروب الدلائي لاما مع حراس له فدائيين قبيل ساعات بما وصلت القوات الصينية إلى مقره تشن عليه هجوما بربريا وتقذف بالقنابل والمدافع مما راحت آلاف ضحايا ممن اجتمعوا حول القصر للدفاع عنه والحفاظ عليه.
وليست الثورة ولا فرار الدلائي لاما مخططا كما تشهد الحقائق أن الدلائي لاما بذل كل ما أمكن من جهوده سعيا لوقف الصراع السافر بين التبتيين والقوات الصينية العظيمة، وكانت نتائج تلك الحادثة مدمرة: إن قوات الصين قتلت آلاف كما ألقت القبض على عشرات آلاف من الناس الذين تم إدخالهم على مخيمات الحشد أو مخيمات عمالية وتعذيبية حيث لقى معظمهم مصرعهم. وهدمت إدارات ثقافية ومنشاءات دينية، واستهدفت المستوطات لحملة إرهابية ومحاولات غسل دماغ جربها الصينييون في الصين مباشرة بعد سبعة سنوات من الثورة الإجتماعية.
المجتمع التقليدي وإطار العمل الديمقراطي لمستقبل التبت:
إن الصين جاولت تصوير أحلك صورة مرسومة، للمجتمع التبتي التقليدي لتبرير سياستها في التبت. وهو قبل الإستيلاء الصيني مجتمع كامل . وهذا ثمرة ما قام الدلائي لاما بإصلاحات واسعة مباشرة بعد أن تحمل مسؤليته عن السلطة في أوائل الخمسينات. فمهما كان الأمر، لا يحق لدولة غزو على دولة أخرى والسيطرة عليها، وضمها وإستعمارها لما لا يرضي به التركيب الإجتماعي للدولة.
نظرا إلى حركة جماعية وتوزيع الثروة، فإن التبت أجادت مقارنتها بكثير من الدول الآسيوية. فجميع المناصب الإدارية غير منصب الدلائي لاما مقسمة على السواء بين المسؤولين والعامة من الناس، وإن كان المسؤول غير الراهب يخلفه خلفه في المنصب. أما مناصب الرهبان فمفتوحة أبوابها على الجميع. وكانت الصوامع بنفقتها تتيح لكافة الناس على حد سواء فرصة الوصول إلى أي منصب. من مثل تبتي معروف ليس حق الحكم على عرش "غادين" (أكبر درجة في مدرسة غيليغ للبوذية التبتية) إلا لمن كان لها إبن ذو علم ومعرفة.
كانت الأراضى كلها متعلقة بالحكومة التي تعطي منها الصوامع والأفراد الذين قدموا خدمة للدولة، فاقترح الدلائي لاما الموجود للتحصل على الأرض التي تملكها الصوامع والأفراد محاولا أن يسع التعريف بإصلاحاته الأراضية لكي يستطيع توزيعها بين الفلاحين والمزارعين. وقام بتشكيل لجنة خاصة فوض إليها سمع الشكاوى المقدمة إليها من أفراد الناس ضد سلطة البلاد. لم تشهد التبت الحرة المستقلة عبر تأريخها مجاعة وجديا، وكان الجيش الصيني في أعقاب سنة 1950، يعيش على ذخائر حبات الحكومة، فاحبروا الجمهور التبتيين الى بيع ذخيرة حباتهم الذاتية بأرخص الثمن.
قام الدلائي لاما بتنظيم حكومة منفية مباشرة وقت وصوله إلى الهند، ومجموعة من التطورات الديمقراطية اتخذت إجراءاتها، وتم تشكيل هيئة منتخبة من مندوبي الشعب معروفة بإسم المجلس التشريعي لمندوبي الشعب التبتي، كما أعلن مشروع الدستور لمستقبل التبت الذي يتضمن مادة تخفف من سلطته التنفيذية عند حصول أغلبية الثلثين من مجموعة أعضاء مجلس الشعب التبتي.
وفي سنة 1990، تمت توسعة المجلس التنفيذي لمندوبي الشعب التبتي وزيدت سلطته، وإن المجلس اليوم ينتخب مجلسا للوزراء، وقد كانوا قبل ذلك يعينون من قبل الدلائي لاما، وأنشأت لجنة عدالة عليا للشعب التبتي للقيام بعمل قضائي. أعلن الدلائي لاما عام 1992 خطأ مرشدا إلى مستقبل سياسة التبت، حسب ما جاء فيه أن الحكومة التبتية في المستقبل ينتخبها الجمهور. كما صرح أنه لا يؤدي في المستقبل أي دور في حكومة التبت، فليكن يحصل الدلائي لاما على منصبه السياسي التقليدي. ويقول الخط المرشد ستكون التبت في مستقبلها شعبا محبا للسلام والأمن متمسكا بأصول عدم العنف تكون لها حكومة قائمة على نظام جمهوري تعمل وتخدم لحماية بيئة جميلة نظيفة صحية وسيكون التبتيون قوما لا علاقة لهم بالعسكرية. لأجل ذلك جهود التبتيين ليست كما تدعي الصين، جهودا منفذة بنظام تقليدي.
الحقوق الإنسانية:
إن الاحتلال الصيني للتبت متميز بإساءة ضخمة إلى حقوق الإنسان، وإنه أسفر عن مقبل أكثر من 12 مليون شخص تبتي (أحد السادس من مجموعة السكان) خلال الفترة 1979 و 1951 وعن نفي حوالي ثمانين ألف شخصا.
برغم الزعم الصيني اليوم أن التبتيين يتمتعون بالحرية وخقوق الإنسان، فهناك كل الشواهد والدلائل تشير إلى متابعة التكثير من إنتهاك حقوق الإنسان. وإن كثيرا من المنظمات والمؤسسات مثل منظمة العفو الدولية، ومراقبة آسيا (آسيا واج) واللجنة الدولية لجوريست (International Commission of Jurists) والباكس المسيحي (Pax Christi) ، والاس او اس التعذيبي ، وفرنسا ليبرتيس قررت حول ما يتعرض الشعب التبتي أفرادا وجماعات لإساءة منسقة واسعة النطاق إلى ديانتهم وثقافتهم وأيدت التقدير عدد من وفود الحكومات إلى التبت مثلما كانت من أستراليا، والنمسا، وسويسرا.
وإنتهاكات حقوق الإنسان ترتبط مباشرة بسياسة الصين الإستعمارية في التبت التي لا تسمح بعمل ما يخالف مع سلطتها الساحقة على هذه البقعة. واتخذت لجنة إضافية من الأمم المتحدة قرارا عام 1991، حول الوضع في التبت لوقف الفصل العنصري والحفاظ على الأقلية، مناشدا التوجية إلى إنتهاك الحقوق الإنسانية والحرية الإساسية للشعب التبتي، والذي يهدد الشعب بثقافتهم وديانتهم المتميزة وهويتهم القومية، إن الأمين العام للأمم المتحدة أعد تعليقا للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان محتويا على كثير من التعليقات حول إساءات حقوق الإنسان في التبت. وفي نفس الوقت واصلت هذه الهيئات من الأمم المتحدة دراستها واستماعها إلى دليل حول الإنتهاكات لمثل الحقوق في التبت، ويزداد قلق العالم بصدد الوضع في التبت.
الظروف الإقتصادية الجماعية والإستعمارية:
قال هويا وبانغ سكرتير الحزب الشيوعي الصيني خلال زيارته للتبت عام 198-، في خطاب موجه إلى الجمهور بأن التبت لم تكسب أي خير تحت الحكم الصيني، وهناك عدد ضئيل من الزعماء الصينيين الذين تجرأوا عن الإعراب عن فشل الحكم الصيني في التبت. بالرغم أنهم يفتخرون كعادتهم الإستعمارية بما قامت الصين بإصلاحات جماعية واسعة في التبتيين المتأخرين.
حقا فإن الشوارع، والمطارات، والجسور، ومحطات توليد القوى تم يناءها أثناء الحكم الصيني، وإنها في شهور أخيرة جعلت الدولة مفتوحا ساحتها لثروات اجنبية للتنمية الإقتصادية الاسرع، مع ذلك فإن أكثر الزوار إلى التبت يعترفون بأن التنمية المحدودة يأتي نفعها أولا إلى المستوطنين الصينيين، فالحكومة والجيوش فضلا عن الشعب التبتي. فالسكان التبتيون هم من أفقر أمم العالم اليوم، وأقلهم علما. والإستعراض عن ناحية علمية لهم يثير قلقا بالغا، وهذا على خلاف ما يقطنون منهم في المنفى. ولا يزال عدد غير الموظفين التبتيين يتفاقم بسرعة مدهشة في التبت كما يواجه الشعب التبتي التمييز في كل شوؤن حياتهم.
ومما لا شك فيه أنهم لو سمحوا لقيام عملياتهم وأمورهم مثلما يقومون بها منذ اربع وثلاثين سنة في المنفى حتى اليوم، لأحرزوا تقدما كبيرا فيمجالاتهم الإقتصادية والجماعية والثقافية.
الديانة والهوية القومية:
ديانة أولى اعتنق بنا التبتيون هي ديانة " فوين " وشاعت البوذية في التبت في القرن السابع فنالت رعاية ملكية وعمت في أنحاء التبت. ثم بدأ عصر " الإنسجام المتناسق بين الدين والسياسة " حينما تولى الدلائي لاما عام 1642، زمام السلطة بيده. إن البوذية ليست مجرد نظام عقيدة يعتقدها التبتيون فحسب، بل إنها محيطة سائر أمورنا ثقافة، وحضارة وتنظم قضايانا الهامة في حياتنا. وعلى كل حال فإن الديانة تلعب دورا مهما في التعرف على التبتيين كأمة وشعب وأصبحت ثوية التبتيين القومية غير قابلة للتجزئة من الديانة. وكانت الصوامع والأديرة تعم كل بلدة وقرية في أنحاء التبت فكان عددها في عام 1950 يبلغ إلى 6259 معبدا وديرا سيكنها الرهبان والراهبات الذين يقدر عددهم حوالي 592558.
بدأت الصين مباشرة في عقب هجومها على التبت تقوم بإستئصال الدين والنظام الإجتماعي التقليدي، فعلم الناس أن الدين هو عدو لأيدولوجينا المادي، والإيمان بالدين معتقد بالعمية، ومن ثم ذلك ليس الواجب عليكم أن تومنوا بدين فحسب، بل يجب عليكم الإدانة به وإستنكاره. ونهبت الصوامع والمعابد والمراكز الثقافية في وسط الخمسينات في التبت الشرقية. وكانت هذه بصفة مخططة ، وطبعا وقع الإبادة والتدمير مصحبا الشعب والتنديد بالدين، واللوم والملامة إلى رجال الدين. على عكس تصريحات صينية رسمية، فإن أكثر تدميرات ثقافية ودينية وقعت أثناء الفترة 1961- 1955 لا خلال الإنقلاب الثقافي (1976- 1966) فقط، كما تزعمها الصين، وتخلصت فقط ثماني صوامع وأديرة في عام 1976، من التدمير الصيني.
فمنذ سنة 1976 منحت بعض من الحرية الدينية ما لا تعد لها قيمة، التي تتضمن تجديد المناسك المتنخبة، والسماح للناس بأداء طقوسهم من السجود الطواف وما إلى ذلك، ولكن فرض الخظر بشدة على نشر معارف بوذا. لا يمكن لأحد أن يكتسب تنمية روحية وعقلية من خلاصة بوذية إلا بطريق تعلم وممارسة ومطالعة كثيرة مع اللامات (رجال الدين وعلمائه) المتميزين غير أن السلطات الصينية سعت فيحملها إلى عدم تشجيع ذلك، ودافعها هو عرض تصوير الديانة التبتية تصويرا سيئا.
على خلاف إدعاء الصين، فإن تجديد المناسب جرى مدعما من عامة التبتيين المتبرعين بأموالهم وعمالهم. وليست مساعدة الحكومة الصينية إلا جزءا قليلا من مجموعات التعاون. وإن السلطات الصينية لا تسمح حتى اليوم بتشكيل وإقامة جامعات صعومية لإستمرار ممارستها الدينية الإجتماعية. وتفرض القيود على الإلتحاق بها، وتقلل من عدد الرهبان كما تقوم بعملية غسل دماغ في الصوامع، والمسؤلون الرسميون يقومون بإدارة شؤون الصوامع.
فإذا كانت الصين لا تقذف القنابل، أو ترسل حرسها الأحمر إلى التبت اليوم لإبادتها، فإن هدفها وغايتها تبقي إلى الآن كما كانت في السابق، وهي الإستيصال الديني والثقافي بأجمعهما.
نقل السكان:
الهجوم الصيني على التبت ديانة، وثقافة، وهوية قومية في نهاية المطاف، ومرحلة غير ممكن تغييرها، وذلك تطبيق الصين" حلها النهائي " إزاء القضية بالتنفيذ سياسة التعويم العرقي. فالموظفون والمستوطنون الصينيون يفوقون التبتيين عددا بدرجة كبيرة في المناطق البلدية من قبل ، كل من الشؤون الساسية والاقتصادية والجماعية مضيفا الى السلطة الثقافية في التبت بأيدى الصينيين، لذلك لو صدرت كلمة حول الحكم الذاتي من بكين فما أريدت بها إلا الخدعة فالواقع إن التبتيين يحولون الى الاقلية فيصيرون المواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم.
ولا يوجد عدد مدقق للصينيين المستوطنين والتبتيين في التبت، أما الاحصاء الصيني فليس مما يثق به حول التبت، وهو يخفي ما يزداد هناك من نقل السكان الاجنبي، وهذه الاحصائيات كلها تتعارض مع احصائيات اخرى أجرتها الحكومة الصينية في المنطقة، وعلى جانب آخرإن الحكومة الصينية لا تسمح الحكومة التبتية في المنفى للقيام بسرح علمي عن وضعها، فتضطر الى إعتمادها على التقارير السرية والتقديرات الوافدة من كثير المراقبين.
ورغم قلة وجود أعداد محكمة، ورغم ما ترفض الصين بالسماح فإن الشواهد تشير الى إرادة موقفها من نقل السكان الصيني على أوسع النطاق، وهذه السياسة تجري على مستوى كبير بمساعدة مشروعات الحكومة التي تحرض الصينيين المنتمين الى كثير من الاقاليم على أسكانهم من جديد في التبت وليست اضافة الرواتب والاسكان على طراز خاص والأرباح التجارية والتقاعدية للصينيين إلا من بعض تنازلات تقدمها اليهم الحكومة الصينية.
وإحصاء السكان الرابع الذي أجرته الصين سنة 1990، في خام وأمدو اقليمي التبت يقدر عدد المستوطينين الصيني (متضمنا عددا قليلا من المنفولين) 4927369 ومع ذلك فإنه يقال هناك صيني غير مسجل على أقل الحد بين كل صينين مسجلين، ومجموعة عدد المستوطن الصيني الحقيقي مسجلا أم غير مسجل يبلغ في هذه المناطق الى سبعة ونصف مليون. وفي السنوات الاخيرة أفادت التقارير بتكثير الصين من نقل سكانها الى الاقليم التبتي المتمتع بالحكم الذاتي.
ليست سياسة وعملية نقل السكان إختراقة فحسب، لاتفاق جنيف الرابع 1949، الذي بموجبه يحظر نقل السكان المدنيين الى المنطقة المحتلة ولا يبيح ذلك إلا عند الحصول على الموافقة التامة عليها- بل هو انتهاك حقوق الانسان للافراد المقيمين في المناطق التي تجري فيها عملية الاستيطان. هذا ما يصرحه قرار اللجنة الاضافية من الامم المتحدة لمكافحة التمييز بالاقلية والحفاظ عليها كما يوضحه بما أنتجه مؤتمر تنظيم الشعوب والأمم غير الممثلة حول حقوق الإنسان من توسيع المستوطنات (تقرير المؤتمر 1992) إن سياسية الاستيطان يعرض أخطر تهديد ببقاء الشعب التبتي وثقافتهم، وهو شكل لتعويم عرقي وإستئصال ثقافي بكامله.
دولة التبت وبيئتها:
كان التبتيون منذ قرون يعيشون في سهلهم الآهل بإنسجام مع الطبيقة. والإحترام بجميع أشكال الحياة والطبيعة معتقد أساسي في البوذية، وتوازن البيئة في سهل التبت أمر مهم لبقاء حياة الإنسان والحيوان والنبات.
إن السيطرة الصينية، وبناء التبت أرضا عسكرية وإزدياد صبوب السكان الأجنبي فيها، والإستغلال الإستعماري من مصادرها الطبيعية متغاضيا كليا عما يكدر البيئة، تسفر عن أثرات مخربة على البيئة، لقد فقدت التبت أكثر غاباتها المكثفة مما أحدث خطرات على تحول الأماكن الواسعة إلى قفر وصحراء أو تحويل بعضها أرضا قابلة للزراعة للمستوطنين الصينين. وهذا أيضا سبب ضررا لا يعوض عنه إلى مراعي نفيسة ثمينة مختصة بالقبائل الرحالة. وإن التجارب النووية، وإنتاج السلاح، وتعدين يوانيم، ودفن فضلات خطيرة تتنبؤ عن مؤثراتها المهددة الخطيرة على حياة الإنسان والحيوان في عدة مناطق التبت في منطقة " لبنور " على وجة النصوص.
بناء القوة العسكرية وسلام المنطقة:
أبقت الصين ولا تزال تبقي سيطرتها على التبت بإستخدام قواتها الهائلة، وإن قوات التحرير الجمهورية تختلف عما سواها من قوات الأمن الموجودة في التبت عددا كما تختلف كمية طاقاتها حسب تقديرات حرة فتوجد على أقل التقدير داخل التبت على إمتداد مساحتها مئات آلاف من الجيوش المسلحة بأحدث السلاح.
واتخذت الصين شمال التبت موقعا لتنصيبها النووي وتجربته، ووسعت حاليا في قدرتها العسكرية على الإنتشار السريع في أي مكان تزيده بطريق جوي من موقعها في الصين. وإن بناء التبت قوة عسكرية مما لا يخفى عن عيون الزوار إلى " لاسه " والأماكن الشهيرة في التبت- ولاسه عاصمة التبت في الواقع محيطة بمعسكرات الجيوش فكثيرا ما تتواجد شرطة مسلحة خاصة مخابرات سرية داخل البلد، من المعتبر أنه تم تركيب عدة عشرات من السلاح النووية فيها، أول ما جر منها إلى التبت كان في سنة 1971، ونصبت في "سيدم " الأمدو الشمالية، ليمكن نقل تلك الصواريخ النووية الصينية المنصوبة في الأرض وإطلاقها، ومحاولات إعداد الصواريخ في المناطق المعنية تكون مشكلة.
يعرف البحث عن أسلحة صينية بدائية وسهولة تصميمها بإسم " الأكاديمي التاسع " الواقع في داشو (هيان) شمالي الشرق من الإقليم الأمدو. وسهولة التصميم هو أخفى منظمة في المشروع النووي من جميع مشاريع نووية صينية. ويعد اليوم مصنعا ينتج سلاحا عسكرية مهمة وتعود إليه المسؤلية عن تصميم كل قنابل ذرية صينية في الفترة وسط السبعينات.
كما أنه قام بخدمة كمركز البحث عن عمليات متعلقة بأسلحة نووية متطورة أجرت الصين عام 1977 مناورتها الدفاعية النووية في منطقة مرتفعة، ممارسة لأحدث الأسلحة هذا ما نشرته جريدة (جيفائغ جون باو) في عددها الصادر في 16 من أيلول لعام 1988، وطبقا لتقرير أصدره (تاس) في الثالث من يوليو عام 1982، مارالت الصين في ممارستها النووية التي تقوم بها في عديد من مواضع التبت لتحديد مستوى أثراتها على السكان في تلك المناطق . فبناء التبت قوة عسكرية لا يمثل فحسب عن الإعتداءات وفي أغلب الأحيان مصدر الخوف والدهشة التي يعانيها التبتييون، بل يمثل عن مصدر نزاع محتمل وعدم الثباب في المنطقة، وهذا ما جر إلى أول حرب دائر بين الصين والهند في تاريخهما، والتوتر الشديد في حدودهما قائم حتى اليوم منذ ذلك الوقت.
بحث عن حل القضية:
بذل الدلائي لاما وحكومته جهوده مرارا ، سعيا لحل مسألة الوضع الخطير في التبت بطريق التفاوض، وصرح الزعيم الأعلى للصين دينغ جياو بينغ عام 1979، بأنه يمكن التفاوض بكل شيئ وحله سوى الحرية الكاملة للتبت. وبقى بيانه هذا موقفا للحكومة الصينية، إلا أن معاملتها جرت خلاف ذلك الموقف. معتمدا على تصريح دينغ جياو بينغ عرض الدلائي لاما عددا من اقتراحاته على الحكومة الصينية للتفاوض معها على كل صعيد من الثنائي والشعبي. ولكن من المؤسف أن الصين لم ترد إلى هذه المقترحات أي رد. وفي عام 1980، اقترح الدلائي لاما إرسال الأساتذة التبتيين إلى التبت من بين النابغين اللاجئين للمساعدة في التقدم العلمي بين التبتيين الناشئين.
وفي سنة 1987، أعلن الدلائي لاما مشروع خمس نقاط، وقام بعد عام بشرح المشروع في خطاب وجهه في استراسبورغ، واشتهر فيما بعد بإسم اقتراح استراسبورغ الذي يحتوي على تنازلات واسعة تطابق كل المطابقة مع مصلحة الصين المصرحة، وعلى رغم هذه الحقيقة أن جميع هذه الخطوات توافق موافقة تامة مع سياسة الصين المقررة من إمكان المناقشة وتسوية كل أمرغير حرية كاملة، فإن الحكومة الصينية رفضت للإتيان إلى طاولة المفاوضات. وفي مستهل هذه السنة اقترح الدلائي لاما والحكومة التبتية في المنفى للإرسال إلى بكين مندوبا على مستوى عال لتسليم رسالة ومكتور من قبل الدلائي لاما إلى زعماء الصين، محاولا مرة أخرى لفتح الباب أمام المفاوضات الرسمية، وإن الصين لم تقترح حتى الآن لتاريخها وقت كتابة هذه السطور.
رغبة دلائي لاما في البحث عن حل المسئلة بطريق التفاوض والسلام معروفة جيدة التي تنال من أجلها جائزة أمن نوبل ، كما حصل على الجوائز الأخرى. ولكن المفاوضة تتطلب الجانبين ولا تتعقد بواحد منهما، إلا أن الصين كل مرة تاتي بعقبات أو بأوضاع لا يمكن الوصول إليها. فالحكومة التبتية ترحب بمساعي جيمع الحكومات المهمة التي دعت الصين إلى الإتفاق بالمفاوضات من دون شروط مسبقة، من الصعب فهم تردد الصين، سوى أنها تعتقد بالحصول على حل قضية التبت مستخدمة بالقوة والطاقة والإستيطان أو بالتطهير العرقي.
فينحصر بقاء التبت وشعبها على قدرة المجتمع العالمي في ضغطهم على الصين على أن تعتدل في عملها، وتحترم حقوق الشعب التبتي ، وتدخل مفاوضات رصينة مع الممثلين عن الدلائي لاما والشعب التبتي كي يمكن البحث عن حل مقبول متبادل وإقامة حقوق دستورية وفقا لما يتمناه الشعب التبتي.
|