رؤية إنسانية لسلام عالمي
التــــــــــــقديم:
عندما نستيقظ صباحا ونستمع إلى الإذاعة أو نقرا الجرائد ، فنحن نواجه أخبارا مؤلمة نفسها من العنف والجرائم والقتال والحوادث الكوارث، ولا أتذكر يوماما لم تقع حادثة مفجعة في أي مكان يبدو أن الإنسان ليست حياته الثمينة آمنة في هذا العصر الراهن. ولم يكن جيل يقابل أخبارا مؤسفة في زمن مسبق مثلما يقابل الجيل اليوم الأخبار المؤلمة وهذا الشعور بالمخاوف والتوترات يسود علمنا بصفة يكاد كل من يحمل قلبا خفافا ويجد في نفسه رحمة وعاطفة حساسية لغيره يضطر إلى التفكير حول تقدمه وإزدهاره.
من المؤسف أنها ليست أخطر القضايا والمشكلات إلا وهي وليدة من الدول الصناعية المتطورة. بالرغم من أن العلوم الطبيعية والتكنالوجية صنعت في المجالات الكثير ما جعلت العقول حيارى ولكن المسائل الإنسانية المبدائية كما هي قبلها، وعمت العلوم ولكن لم يقو بها الخير بل تزايدت المشكلات النفسية وتفاقمت، ولا مجال للريب في تحقق التطور المادي والتقني ولا يكفى ذلك حتى ما لم نكن ناجحين في تحقيق الأمن.
فاتضح به أن في تقدمنا وتطورنا نقص وقصور هائل لو لا نداوي به سيؤدي الإنسان إلى مستقبل مبيد، وأنا لست ممن يخالف العلوم الطبيعية والتقنية لأن لهما مساهمة كبيرة في مجموعة تجارب إنسانية وتسهيلاتنا المادية وخيراتنا وسعادتنا وتفهم عالمنا ومعرفتنا به تامة. وعلى رغم ذلك لو نكثر أهميتنا في العلوم التكنالوجية والطبيعية ليظل خطر بأن تقطع صلة علومنا البشرية عن جوانب المجتمعات التي تتطلب الصدق والأمانة والإيثار.
تستطيع العلوم الطبيعية والتكنالوجية أن توفرلنا الراحة والتسهيل إلا أنها ليست بإمانيتها أن تكون بديلا عن مرتبة القيم الروحية القديمة والإعتبارات البشرية التي عينت للحضارة العالمية مسارا على أصعدة الإقطار نلاحظه اليوم بين أيدينا.
وليس لأحد أن ينكر من الفوائد والمنافع المادية التي لا تعد ولا تحصى، غير أن القضايا الإنسانية هي كما كانت، وما زال ينتابنا الهم والخوف والتوتر حتى الآن ، مثلما كان في الماضي إن لم يكن أكثر منه. فمن المعقول أن يتم الإنشاء بين التقدم المادي على جهة والقيم البشرية الروحية على آخرها تطابقا وتلاؤما كما نحتاج لتحقيق هذا الإرتباط غلى إعادة القيم الإنسانية.
وإنى على إعتقاد أن غلب الناس متفقون عى رأي حول الأزمة الخلقية التي يمر بها اليوم عالمنا، واعتقد أن أصدقاء الإنسانية والرجال الدينيين المماثل فكرهم لفكري مؤيدون بمناشدتي إلى ضرورتنا نحو تشكيل مجتمعات تكون أكثر ذات رافة وأكبر عادلة ومصالحة، ولست أقول ذلك من حيث أنا بوذي لا من حيث تبتي كما لا أقول كخبير على سياسيا عالمية (وإن كنت قد اضطر إلى الإعراب عن آرائي حول الشؤن العالمية) بل أنا أقول كإنسان يحب إقرار قيم إنسانية هي ما ليست أساسا للفلسفة البوذية (مهاينا) فحسب، بل لكل الديانات العظمى، فاود أن اجعلكم مطلعين على وجهات نظري إلى هذه الجوانب:
- من الواجب أن يوجد شعور بإنسانية عالمية لحل القضايا الدولية
- الرحمة عمود لسلام عالمي
- الأديان العالمية بأسرها تحب سلاما عالميا كما يحبه أصدقاء الإنسانية بجميع ألوانها
- من مسؤوليات كل شخص بذل جهوده في بناء جميع الهيئات والمنشئات وسيلة لإسعاد البشرية
حل قضايا الإنسان يحصل بالتغيير في مواقفه وسلوكاته:
من المشاكل التي نعاني اليوم تتشكل بعضها من آفات سماوية لا يمكن الإتقاء منها، ولو كان هناك شيئ فصبر يجب به مقاومتها. منها ما يأتي من جهة أنفسنا لسوء التفاهم بيننا، وإزالتها ممكنه، ومنها ما يرجع أصله إلى فلسفات دينية أو سياسية، وهي ما يتسبب نشوب جدال وصراع بين الإفراد لأمر هين، وتغيب عن بالهم إنسانية أساسية تربط جميعنا كأسرة بشرية واحدة. ينبغي لنا أن لا ننسي أن المذاهب المختلفة والنظريات والأنظمة السياسية المتنوعة في العالم لا تبغي إلا جلب السعادة والخير والهناء للإنسانية. فلابد إذا أن لا نؤثر الوسائل على الأهداف كما علينا أن لا نفضل القضايا المادية والنظرية على الإنسانية أبدا.
إن الدمار النووي هو أكبر تهديد يواجهه اليوم لا فحسب الإنسان بل كل من يعيش على كرة الإرض ولسنا بحاجة لشرحه، ولكنني أهيب بكل من رؤساء الدول من بأيدهم مستقبل العالم لكونهم يمتلكون طاقات ذرية وعلماء الطبيعيات وخبراء التقنيات صانعي هذه السلاح المدمرة والجماهير هم فس استطاة على التاثير في القيادات والزعامات. أن يمارسوا عقولهم ويقوموا بإستئناف التدمير الشامل للسلاح النووية. نحن على علم بأن لا أحد يعود منتصرا ولاحيا عند إندلاع حرب نووية. أليس بالتصور عن مثل الدمار الضارى تقشعر جلودنا ؟ أما يناسب لنا أن نستأصل أسبابا له لا تخفى عنا ونستطيع ذلك قبل أن يفوتنا الوقت؟ يقع كثيرا ما أن لا نقدر على حل مسائل ليست عندنا علم بأسبابها وإن كان لدينا علم بها فالوسائل معدومة. أما الخطر النووي فليس مثله.
الحيوانات كلها تحب السلام والأمن والصيانة، إما ناطقة أو غير ناطقة، فالحياة حبيبة إلى غير ذوات العقول من الحيوانات مثلما تكون إلى ذوات عقول منها. تسعى أدنى من الدويبة إلى إنقاذ نفسها عندما تقع حياتها فس خطر كما يتوخي جميع منا الحياة لا الموت. فكافة دواب أرضنا تفعل لحصانتها رغم وسائلها المحدودة لديها.
المسرات والمعاناة على نوعين بالمعنى الأوسع: جسمانية وعقلانية فالقسم الثاني تكون شدته وقت الفرح أو الحزن أكثر وأوقع منه من الأول، لذا أنا اركز على التربية العقلية ليتمكن الإنسان من التحمل على المصاب والمعاناة والسرور. ولي نظرية أخرى أكثر عامة ونضجا حول الهناء والسعادة. أعني بذلك مجموعة مركبة من السلام الداخلي والتطور الإقتصادي والأمن العالمي وللحصول على تلك الأهداف أشعر بحاجة أكيدة لعاطفة من مسؤلية عالمية متحركة لكل بشر من غير إختلاف الأجناس والألوان والإديان.
بناء على هذا الشعور إنه من الواقع أن رغباتي ومطامعي تشابه رغبات ومطامع غيري. لذا ليس أحد من لا يحب الأمن والمسرة ولا يتجنب عن آلالام، فاذا تغاضينا الأبصار عن هذه الحقيقة لتزداد القلاقل في أرضنا هذه. ولو كان منظورنا نحو الحياة متبنيا من ضيق القلب لكانت محاولاتنا إستخدام الآخرين لمصالحنا، ونحن إذا لن نستطع كسب أمن عالمي فحسب بل نحرم من السعادة الشخصية سوى بعض المنافع المؤقتة.
بحثا عن السلام والأمن إختار الإنسان طرقا شتى، كانت معظمها منطلقة من العنف والإستبداء ، وتحقيقا للأغراض الشخصية يلحق عمله المضاد للإنسانية الأضرار بالإنسان ذاته، إلى جانب حيوانات أخرى تظل مستهدفة. من النعم الكبرى أن خلقنا من البشر لذا يتوجب علينا أن لا نقصر أي جهد في إستخدام هذه الفرصة الثمينة بعقل ووعي وحذق تام.
فالحاجة مساسة إلى نظرية جديدة حول حل المشكلات العالمية، لأن العالم اليوم كانما ينكمش ويزيد اعتماد متبادل بسبب حيازة التكنولوجي تقدما ملحوظا، وتطور التجارة الدولية تطورا واضحا، إضافة إلى تصعد العلاقات عالميا بما صرنا كلنا نعتمد على لآخر اعتمادا كبيرا وقد كانت القضايا في أحقاب الآزمنة القديمة لا تتجاوز تطاقا أهليا فكانت حلها على تلك المستويات الا أن الأوضاع تبدلت اليوم وقوي الإعتماد المشترك وتصاعد الإرتباط بيننا إلى حد لا يمكن التغلب على الخطرات والمواجهات لكياننا فضلا عن إحلال الأمن والسلام ، دون إحساس بمودة وأخوة عالمية وشعور وإعتقاد بأننا في الواقع جزء من أسرة إنسانية كبيرة.
ليس بوسع شعب أن يعالج مشاكله وحيدا بنفسه، لأن كثيرا من الأمور معتمدة في العصر الحديث على تعاون وإهتمام ووجهات شعوب أخرى، فان كان هنا ما في مستطاعه توفير الأمن العالمي مبدأ قويا لكانت هي نظرية إنسانية شاملة حول قضايا العالمية، معنى ذلك أن نستانف التحرك بيقين تقدم ذكره على كوننا جميعا من المهتمين والراغبين في السعادة لا المكابدة، فلو لم يكن الأمر هكذا، لكان من الجريمة الخلقية والسفاهة الدنيوية أن نجري وراء استعادة السعادة والهناء لتحقيق أوطارنا بصرف النظر عن رغبات غيرنا. فمن المعقول أن لا ننسى غيرنا عند الطلب عن السعادة، وذلك لأنني أعتقد أن هذا سيبعث النفعية الذاتية.
بالرغم من تزايد الإعتماد المشترك بين الشعوب المتوقع منه نشوء تعاون أكثر عاطفيا، إلا أنه من الصعب أن تتحقق تعاون حقيقي ما لم يعد الأفراد مبالين بعواطف ومسرات الآخرين. كما أنه ليس بالإمكان أن يعيشوا مع التضامن والإنسجام في أجواء متكونة من الحسد والحرص والإطماع. ولعل المسائل السياسية الحديثة المتولدة من روية ضيقة لا يتم حلها كاملا عن طريق نظرية روحية ولكنها بالقدرة على ضبط قضايا منها أساسية تلاحقنا اليوم.
وعلى عكس عكس ذلك إذا إستمر الإنسان في معالجة مشاكل نفسه ولا يقوم بها إلا لمكاسبه المؤقتة، فكانت ذلك خسارة فادحة بالنسبة للإجيال القادمة إن سكان العالم يتفاقم عددأ ، ولا تزال مصادرات طبيعية تنفد بسرعة، خذ على سبيل المثال الشجرات، من يعلم صحيحا أن الإخشاب على نطاق واسع كم يترك تأثيرا خطيرا على الكوكب الأرضي والبيئة العالمية. نحن نواجه اليوم من القضايا لأجل الناس يعملون لصالحهم وأغراضهم من غير أن يفكروا للنوع البشري، وهم لا يعبأون بهذه الأرض ولا بتأثيره الضار على المستويات العالمية. فلو لم يتفكر الجيل الحديث عن ذلك لتشتد مقاومته على الأجيال الآتية.
الرحمة عمود أمن عالمي:
طبقا للنفسية البوذية يأتي أكثر سبب مشكلاتنا من قبل أهوائنا ومطامعنا في أشياء نعتبرها دائمة البقاء بإساءة الفهم، فحرصا على حصول تلك الغايات يتم إستخدام السلاح المؤثرة في الصراعات والإعتداءات، فمن الطبيعي أن يثور النضال والجدال عند تحول مثل ردود فعل عقلية إلى شكل حقيقي، فما زالت العقلية الإنسانية تراودها مثل العملية الذهنية منذ قديم الدهر، إلا أنها أصبحت سهلة العمل عليها في الظروف الراهنة أكثر مما قبلها. فالتساؤلات أمامنا، هل في إمكانيتنا التغلب على سموم من الطمع والحرص والوهم والإعتداء خافية وراء جميع مشاكل نقاسي منها اليوم في أنحاء العالم.
أنا كمروض في الديانة البوذية اشعر بأن الرافة والرحمة والمودة كيان خلقي بالنسبة للسلام العالمي، دعني أوضح بما تعني الرحمة، حينما تاخذك رافة لشخص بائس وتعطف عليه، هو قيم خلقية ، وعلى جهة أخرى أنت تحب زوحتك أو زوجك وإبنك وصديقك، فما يحملك على ذلك هو بصفة عامة علاقة قبية وعند تغيرها يختلف الحب،أو قد يزول تماما، فهذا ليس من واقع الحب، أو الحب الحقيقي الذي قم لا على أساس العلاقة بل على الإيثار والإخلاص، وإذا كان حبك قائما عليها فلا تزال عاطفتك تدوم مندفعة بإحساس بمسؤلية بشرية نحو المعاناة والمكابدات حتى تتم نهايتها.
ينبغي أن نجعل في أنفسنا مكانا لمثل عاطفة من الإيثار والإخلاص وأن نوسع حدوده إلى الآفاق البعيدة. ونحن ما نجد من غير التمييز عاطفة من رحمة ومودة غير محدودتين لكل ذوى الأرواح تتباين مما نحمل من محبة لذوى القربى وإصدقاءنا ، فالقسم الأولى من المحبة لها أوسع وأكبر نطاقا مما كان للآخرة، إذ نستطيع الأولى التوزع على من الحقنا بضرر أو على عدو ألد أيضا، فالدليل على عاطفة من رحمة ورافة هو أنه ليس منا من لا يبغي التحذر من الأحزان وآلالام ولا يسعي في البحث عن المسرات. فمبدأ الأمر قائم على شعور بـ "بانا" فيما تختفى رغبات كل أفراد في الإفراح. ومن الواقع أن الناس يولدون على تمنيات مماثلة، ولأجل ذلك لابد أن تنال لهم حقوق متساوية لتحقيق أمنياتهم. إني بالمقارنة مع الآخرين اعتبر أن أهمية الجماهير تفوق بكثير عن أثميتي لإحساسي بأني واحدا عددا بالمقابل مع غير المحصي عددهم. وحسب التقليد التبتي أن لكل إنسان أن ينظر إلى ذوي الأرواح بأسرها كام له ويبدي عواطفه ومشاعره نحوها ويظهر لها من حبه ووده، ووفقا لما ما جاء في الفلسفة البوذية أن الإنسان تتعدد ولادته (حسب الإعتقاد على فلسفة تناسخ الأرواح) ، فلا غرو اذا أن تكون كل واحد منها ابانا وأمنا في أي عصر من العصور وفي أي زمن الأزمان، بناء على ذلك يصير جميع من يعيشون على أرضنا هذه مرتبطين بعضهم ببعض بعلاقة أسرية سواء كانوا من المعتقين بدين أم لا، الا أنه ليس فيهم من لا تتحبب إليه الرحمة ولا يحسن إليه العطف، فمنذ أن ولدنا لم نزل ننشأ على حنان وحب أبوينا ولم نلبث أن ياتينا كبر وتصيبنا أمراض فنلجأ إلى غيرنا لنكسب منهم العطف فاذا كانت حياتنا قائمة على كسب عطف الآخرين في جزءيها الأول والأخير، فما بالنا أن لا نقوم بالتعاطف والمؤاساة مع غيرنا في جزءها المتوسط.
لا تقتضي المؤاساة والتعاطف والتراحم مع الاخرين منا أن نزمن بالضرورة، من الملتزمين بديانة أو الممارسين شعائرها ، إن التحلي بصفاتها لا يجب على المؤمنين بدين فقط، بل يلزم لكافة الناس على إختلاف الأديان والإجناس والألوان والسياسات، كما يجب ذلك على من يعد نفسه عضوا من أسرة إنسانية ويحمل رؤية للحياة، فعلينا أن نخلق في أنفسنا عاطفة قوية من الرافة والمودة والرحمة ونقوم بها عمليا، وأن لا نعيش غافلين عن تلك السمات بالخصوص في أيام الشباب وقت كوننا في صحة تامة وشعور بصيانة كاملة لأنفسنا.
عند إمعان النظر تتضح هذه الحقيقة أن الإنسان يطلب السعادة والخير ويتجبب عن آلام ، فنصل إلى النتيجة أنه ينبغي لنا القيام بمشاركة غيرنا فيما نمتلك، فلو قمنا بصياغة نفوسنا على هذه الوجهة وانطلق تعاملنا مع الإفراد بالتعاطف والتراحم ليمكن لهم الأقتطاف من ثمار الرحمة والمودة والكرامة والخدمة والتعاون. إن الممارسة لطقوس دينية تلعب دورا مهما في حياتنا اليومية من أحداث هدوء روحي في أفئدة الإنسان الذي لا تستقر حياته في أي لحظة فتارة تمر بعسل تمر وتار ببصل، لذا يواجه القضايا والمسائل المتعددة، فلا حل لها إلا اذا نجابهها بقلب نزيه، منشرح وعقل هادئ ، وإلا فبالسخط والكراهية والنفعية لا نقدر على ضبط أنفسنا، فنفقد قوتنا الذهبية وتضمحل صلاحيتنا الفكرية وتغشي الظلمة على أعيننا، ربما تبعثنا هذه الحالة الحرجة على أقدام أي عمل حتى الخوض في القتال والحرب، ومن ثم ذلك تعاطي الرحمة والمودة والحمكة لا تخلو من نفعها لنا جميعا خصوصا، لمن يديرون شؤون الأقطار والبلاد ومن بأيديهم أزمة أمورها مع قدرة وفرصة لإيجاد تركيب السلام العالمي.
الأديان كلها تحب السلام العالمي:
إن جميع المبادئ التي تاملت فيها حتى الآن، تتطابق تماما مع علوم الأخلاق لسائر أديان العالم، وإني على اعتقاد بأن ديانات العالم العظمى مثل البوذية والإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية والزردكشية والكونفوشية إلى غيرها من أديان العالم تحمل معها نفس رسالة من الحب والمودة، وغاياتها المنشودة هي أسعاد النوع البشري بطريق أعمال روحانية ودينية. فكل ديانة حريصة على تكوين معتنقيها فردا صالحا متحليا بحلى الخلق الصالحة والقيم الرفيعة وتربية المعتقدين بها تربية سامية من المبادئ الخلقية ليكون العقل والجسم واللسان مهذبا نزيها، فكافتها تمنعنا من قول الكذب والسرقة وقتل النفس وما إلى ذلك. وجعل زعماء حركة الأخلاق العظام المحبة الخالصة والإيثار نصب أعينهم. وكانت هؤلاء الشخصيات العظيمة تطمع في أن يسير متبعوها على جهة مستقيمة ويرفضوا سبل السيئات.
كل الديانات توكد على ضرورة ضبط النفس لأن أدواء النفعية والشحة والمشاكل الأخرى متأصلة منها، كما تحرض متبعيها على إختيار مسار يبغلهم إلى الأمن والتضامن والإتفاق ومبادئ القيم والحكومة، وأنا نظرا إلى المعنى أعتقد أن الديانات كلها تبلغ رسالة واحدة ليست فحسب، أما الخلافات الأصولية فيها فهي جاءت من إختلاف الأزمنة والظروف بالإضافة إلى نفوذ وأثرات الحضارات، فلو نظرنا إلى جوانب مختصة بالفسلفة والعقلية من الديانة لوجدنا المباحث العلمية عنها لا تنتهي، فاحلى وأوفق بنا أن نقوم بتطبيق حياتنا على أوامر تعليمات مشتركة مفيدة أمام رؤية ديانات كلها، ونضع سائر خلافاتنا التافهة إلى جانب.
نجد الأديان بين أيدينا متنوعة للسعادة البشرية مثلما نجد الأدوية مختلفة لمعالجة أمراض متعددة، فالكل تسعى على نمطها في إعطاء الإنسان المسرة والهناء وإنقاذها من الكابة والام. كما نرى أسبابا مرجعة لتفسيرات الحقائق الدينية، تحمل أكثر سبب للإتحاد والوحدة. إن أديان العالم بكافتها تخدم لتقليل هموم إنسانية ولها إسهام كبيرة في الحضارة العالمية، أما مهام دعوية بالنسبة إليها فلاتهم، فعلى سبيل المثال أنا في يوم من الأيام لست في محاولة لتوسيع ديانتى وإشاعتها ولكنى تفكرت في كم أقدر على إضافة السعادة والمسرة في الحياة الإنسانية.
ولست أنا بمرجح ديانة قط على الأخرى بقولي الديانات العالمية تتحد غاية وهدفا كما إني لم أرد به ديانة عالمية خاصة. إلا أن الأديان المختلفة في حاجة بالضرورة إلى القيام بإسعاد التحارب الإنسانية والحضارة والعالمية. الناس أولدوا على درجات متنوعة من العقل والنفس، لذا الوجهات والفلسفات أمرضروري نكسب السعادة والإستقرار ذلك مثل تنوع الأغذية، كما أن بعض الناس تعجبهم المسيحية ومنهم من تتحبب إليهم البوذية لأجلها خالية عن تصور الخالق وكون سائر أمرها دائرا حول عمل رد عمل وهكذا تستطيع عرض الدلائل نفسها للديانات الأخرى فبأن الأمر جليا أن الانسانية لها حاجة إلى جميع أديان العالم لتطابق مع شتى مجالات الحياة وتلائم مع أنواع حاجات روحية وتقاليد شعبية موروثة لكل فرد.
إنطلاقا من هذه الوجهة إني أرحب بكل مساعي تبذل في أنحاء العالم لخلق التفاهم والتسامح الأحسن بين الديانات، واللذان قذ إشتدت ضرورتهما في العصر الحديث، فلو كونت أديان العالم كلها إسعاد النوع البشري وتحسين حياته غايتها المنشودة لكانت في الإستطاعة أن توحد في العملية من أجل السلام العالمي مع وفاق والفة، وسينشأ التفاهم بين النظريات الدينية وحدة تتيح الفرصة التي تمكننا القيام بتحقيق الإستقرار العالمي. فبالرغم من أنه خطوة هامة إلا أن سائر القضايا لا يمكن حلها بعجل أو سهل. وليس بالإمكان أن نصرف النظر عن خلافات أصولية منبثقة من الديانات المختلفة كما ليس بوسعنا أن ناتي ديانة عالمية جديدة مكان الأديان الموجودة. فكل دين منها يلعب دورا ممتازا في مجالات حياة الناس المتعددة. فكل دين منها يلعب دورا ممتازا في مجالات حياة الناس المتعددة. وكل منها صحيح في نمطه حسب اعتقاد وايمان أفراد مختلفة وعالمنا بحاجة إلى كافتها.هناك أمران رئيسان أمام نحن الممارسي أعمالا وطقوسا دينية المعنيين بالأمن العالمي.
الأول: تنشيط الاتصال والربط بين شتى الديانات حتى تنشأ بينها وحدة فعالة تكلل جهودنا وأهدافنا بالنجاح، وذلك بتائيدنا عمليات وأفكارا موجهة من الأديان بشأن سعادة وهناء البشرية، مع النظر إلى معتقدات كل منا بعين الإحترام والثقة.
الثاني: علينا إحداث تطابق بين القيم الروحية التي تمس بقلب الانسان وتحقق له السعادة، أعني بذلك أن نقوي ونؤيد المبادئ الإنسانية المشتركة التي هي تراث جميع الديانات ونحن بهاتين الخطوتين نتمكن أفرادا وشعوبا إنشاء مناخ لازم بحق السلام العالمي والقيام بأعمال السعادة البشرية بشرط أن نقدر على نبذ الخلافات الجذرية المتعمقة التي هي من أمور داخلية لكل ديانة.
رغم العلمانية المتزايد فشوها وإنتشارها نتيجة للعصرية المتواجدة عبر العالم مع المحاولات المبذولة في أنحاء العالم الرامية إلى الغاء القيم الدينية، إلا وإن هناك طبقة أغلبية لا تزال ملتزمة بديانة من الديانات وليس وجود مثل العاطفة المتدفقة بالإعتقاد على الديانة حتى في الدول اللادينية إلا دليلا واضحا على بقاءها حية، وفي إمكانية هذه القوى الروحية أن يتم إستخدامها في تكون أجواء روحية بحق السلام العالمي. فعلى الزعماء الروحيين والأصدقاء الإنسانية أن يؤدوا دورا خاصا في هذا الشأن.
وليس أمامنا أي طريق سوى تقدمنا نحو الهدف إلى إحراز السلام ولو كانت قلوبنا ممتلئة بالسخط والكراهية صرنا نفتقد عقولنا وذكائنا العنصر الرئيسي في الإنسان والمميز بين الخير والشر، فالغضب هو أكبر مسئلة يواجهه عالمنا اليوم.
قوة التعاون الفردي في بناء الهيئات والجمعيات:
إن الغيظ والسخط من العوامل الكبيرة عامة للصراعات المندلعة في عصر حالي لما يتعرض الشرق الأوسط، والشرق الجنوبي الآسيوي والشمال والجنوب من مشاكلها، والتي نتجت عن فشل فهم عاطفة إنسانية. وليست معالجتها إستخدام الطاقات العسكرية المتطورة لا المسابقة في السلاح كما أنها ليست قضية متصلة بتقنية خالصة أو سياسة محضة، بل إنها مسئلة روحية، والضرورة تقتضي أن نعقل مع وعي وشعور الظروف السائدة للإنسانسة، لأن الكراهية والنزاعات لا تسعد أحدا، حتى المنتصرين في القتال والحرب والعنف دائما جذر للمصاب لذلك تعكس نتيجته وقد آن الأوان لروساء الدول العالمية أن يتعلموا السير فوق إختلاف جنسي وثقافي وأيدولوجي ، وينظروا فيما بينهم نظر الإنسجام والتوافق، وبذلك سيعم نفعه وتشمل فائدته أفرادا وشعوبا حتى جميع العالم.
يبدو أن الصراع الدائر بين الكتلتين الشرق والغرب منذ الحرب العالمية الثانية أحدثت أكبر توتر يشهده الجزء الأغلب من العالم الحديث، ويحمل كل منهما للأخرى نظرة إستخفاف وإستهانة، والباعث على هذا الصراع المستمر قلة وجود التسامح والمودة بينهما من حيث الأخوة الإنسانية. فيلزم لأولئك المنتمين إلى الكتلة الشرقية أن يقللوا من كراهيتهم نحو الكتلة الغربية التي هي مجموعة إنسانية مشتملة على الرجال والنساء والأطفال، بينما يجب على الكتلة الغربية أيضا أن يقللوا من كراهيتهم للكتلة الشرقية التي هي مثلها مجموعة من البشر، فلكل من زعماءها أن يلعبوا دورا بازرا فيه، إلا أن أول ما يوجبهم هو إحساس بقيمة الإنسانية وقدرها لأن تقليل السخط والبغض لا يمكن من دونه.
على سبيل المثال لو فوجئ الرئيس الأمريكي بالتقاء مع الزعيم الروسي في جزيرة ففراء ليعرض كل منها لصاحبة كصديق إنساني ولكن حينما يواجهان من حيث رئيس أمريكي وأمين عام للحزب الشيوعي الروسي يحول دونهما حائط من الريب والشك وسوء الفهم، فلأجل ذلك تستطيع إجتماعات ولقاءات غير رسمية على المستوى الإنساني دون أن يكون فيها جدول الأعمال أن تساعد في التفاهم المشترك. ولا يمكن للجانبين محالجة الشؤون العالمية إلا إذا لم تكن بينها رابطة إنسانية قائمة في كنف الصداقة والمودة كما لن يمكن أن يتم بينهما التفاوض المثمر في أجواء الشبهات والشكوك والكراهية والبغض، خاصة بين الكتلتين الممتد تاريخ صراعهما.
ما اقترح هو أن يجمع ويتلاقي زعماء العالم مرة في كل سنة بمكان جميل وهم فارغون عن جملة أشعالهم ليعلم ويرى كل منهم آخره كإنسان فعند توفر الفرصة الطيبة لهم للإلتقاء والإجتماع سيستطيعون التوجه والمناقشة متعددة الأطراف حول الشؤون العالمية، وإني على اعتقاد أن كثيرا من الأفراد يشاركونني رأيا، فينبغي لوؤساء العالم أن يجتمعوا ويتبادلوا الآراء في مثل جو التاخي كي يفهم كل آخره عاطفة له إنسانية.
وإني ارى تنمية السياحة العالمية وتشجيعها سببا كبيرا في تحسين العلاقات بين سواد العالم على الصعيد الفردي، كما أن وسائل الإعلام تستطيع أداء دور بارز في تصعيد الأمن العالمي بالخصوص بين الدول الديمقراطية ، ذلك بتكثير إشاعة الجوانب الإنسانية التي ينعكس فيها الإنسجام الأساسي.
مع نهوض بعض طاقات عالمية على الساحة العالمية يوخذ دور الهيئات الدولية الإنساني في إهمال ، فأنا أرجو بتصحيحه بما تكون المنظمات الدولية بالأخص الأمم المتحدة أكثر نشيطة ومؤثرة في القيام بأعمالها نحو إسعاد النوع البشرى بكاملة وتطوير التأخي العالمي، ولو أساءت بعض الأعضاء القوية إستخدام المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة في مصالح وأغراضها الذاتية لكانت ماسة مفجعة لا تعادلها أي ماسة، فينبغي أن تكون الأمم المتحدة وسيلة لسلام عالمي، كما يجب على الجميع إحترام هذه الهيئة العالمية، من أجل كونها أملا واحدا بقي للشعوب المستضعفة والمعتدى عليها على وجه الأرض.
أصبحب الشعوب والأمم تعتمد اليوم إقتصاديا على الأخرى أكثر مما كانت معتمدة في العهود الماضية. فيحب أن تتوسع علاقتهم وتتجاوز من نطاق قوي إلى نطاق أسري إنساني واسع، وإن المشكلات العالمية سلا تفتأ تزداد ما لم نخلق ظروف حقيقيا من التعاون والتنسيق مكونة من واقع القلوب لا من تهديد وقوة عملية، وإذا كان السكان في الدول الفقيرة لم تتوفر لهم حياة الهدوء والمسرة التي يتمنونها ويستحقون بها ليسيئوا الظنون، ويحدثوا القضايا للدول الثرية والسلام العالمي لن يؤسس على نظام سياسي جماعي حضاري مفروض على خلاف مرضاتهم، أما إذا نجحنا في إقناع الناس بأسلوب يقتنعون به من واقع نفوسهم فلا شك إذا في قيام السلام والإستقرار.
يجب أن لا يبقى فرد محروما من حقه بين أمة كما يجب في شعوب مختلفة الإهتمام بخير وسعادة حتى أدنى شعب منها، لا أعني به أن نظاما لحكومة خاصة أحسن من نظام حكومة أخرى فلا بد من اختياره، بل على العكس من الضروري أن توجد هناك مبادئ متنوعة وأنظمة سياسة مختلفة لان ذلك أمر يتفق كاملا وإختلاف فطرة طبائع الناس التي يضطر لأجلها الإنسان إلى مواصلة المجهودات والمساعي في البحث عن النهاء والسعادة، ومن ثم ذلك ينبغي أن تنال لكل أمة حرية القدرة على صياغة كيانها الإقتصادي والإجتماعي والسياسي المبنى على مبدأ حق تقرير المصير.
إن الحصول على العدل والتسامح والإستقرار يعتمد على عوامل عديدة، فيتوجب علينا التفكير عن ذلك بنظرية تخدم لصالح الإنسانية وسعادتها المؤبدة لا لمكسبها المؤقت. أنا أرى بين أيدينا أشغالا صعبة لا اجد طريق حلها سوى ما اقترح لكم، (لان مبدأه مؤسس على الإنسانية العامة ) من أن يتم التزام الأمم والشعوب بالاهتمام برفاهية شعوب أخرى وذلك لا اعتقادا في الإنسانية، وإنما تحسبا فيما له مكاسب بعيدة المدى بالنسبة للجميع. يشير إلى هذه الحقيقة الثابتة قيام هيئات إقتصادية على الصعيدين المحلي والقاري مثل الشركة الإقتصادية الأوربية، ومنطمة الأمم الآسيوية للجنوب الشمالي وما إلى غيرها. أرجو أن مزيدا من نفس الهيئات الدولية ستدخل في حيز التشكيل خصوصا في المناطق التي تواجه قلة التنمية الإقتصادية وتشهد عدم الإستقرار.
في هذه الظروف الراهنة تتطلب الحاجة إلى إدراك إنساني وعاطفة مسؤولية عالمية. وللتوصل إلى تلك المرمى يلزم لنا أن نكون طيب النفس كريم البال، وإلا فلا تستطيع الحصول على السعادة ولا السلام. نحن لا نتمكن من إظهار السلام العالمي على الأوراق فقط بتائيدنا وحمايتنا للمسؤلية العالمية والأخوة العالمية. ويكون عالمنا متوزعا على مختلف الطبقات والمجتمعات. لذا أنا أرى أن على تلك المجتمعات والطبقات أن تجسد وتشكل صرحا للسلام العالمي وتقوم فعلا بالخدمة له.
لقد سبق أن بذلت المحاولات في بناء مجتمعات قائمة على أساس العدل والمساواة، كما تمت إقامة المنشئات المبنية على المبادي الصالحة لمقاومة القوات المعادية لها. ولكن من سوء الحظ أن مصحلنتا الذاتية أصابتها بالخيانة. فكم نلاحظ اليوم من أثرة تسربت في معنوية ومبادئنا الخلقية، خاصة في اطار الشؤون السياسية، وبلغت إلى مبلغ لم يسبق له نظير في الماضي. هناك مدرسة فكرية تشددنا التحذير من السياسة بشكل تام، لأن كلمة السياسة ظلت اليوم متلوثة، وهي لا تفيد الإنسان شيئا حتى تتحلى بالخلق الإعتبارات الصالحة التي عند قواتها لا يمكن التمييز بين إنسان ودابة. أما السياسة نفسها فلا تتكدر إلا أن آلات حصارتنا السياسة شوهت وجوه المبادئ القيمة والأفكار الفاضلة التي ترمي إلى ترفيه الإنسانية، لذلك يرى الزعماء الروحيون تدخل الرؤساء الدينيين في السياسة كنوع من الخوف خشية على الديانة بأن لا يكدرها وسخ السياسة.
لا اتفق على أمر بأن الديانة ولاخلاق لا نصيب لهما في السياسة، فيلزم للدينيين أن يعيشوا كفقراء منعزلين تامة عن السياسة فمثل هذه الروية للديانة اظنها رؤية ذات جانب واحد لأجلها غير واضحة الصورة عن دور الديانة وعلاقة الإنسان بالمجتمع، فالآداب والإخلاق تتوجب على شخص سياسي كما على فرد ديني وإذا ما نمهل المبادئ الخلقية لكانت النتائج خطيرة، فسواء يؤمن بإله أو مسئلة (الكرم) إن الأخلاقيات هي أساس سائر الديانات.
ظلت الآداب والأخلاق والرأفة والحكمة اسسا لجميع الحضارات. فمن الواجب إحياء وإنماء تلك الأوصاف في ظروف مجتمع متسامح بتعميم العلوم الخلقية. ولبناء العالم متسما بهذه الصفات يجب أن نقوم بتربية الأطفال منذ الصغر، ولا نستطيع ترقب جيل قادم لأقدام هذا التغير، فإنما يتوجب على الجيل الحديث إستئناف ممارسة القيم الإنسانية الأساسية، وإن كان هناك أمل فهو سليلنا المستقبلي لنا منه رجاء على أن نوسع التغييرات في أنظمتنا التعلمية الحديثة على المستوى العالمي، كما نحن بحاجة لإيجاد ثورة في أعمالنا، وشعور بالمسؤولية عن القيم الإنسانية العالمية، إن الهتافات المجوفة ليست بوسعها منع تدهور خلقي حتى ما لم نعمل بأنفسنا ونبذل جهودنا من أجله- لأن الحكمومات في هذا العصر لا تتحمل مثل المسؤولية الدينية فيلزم للأفراد الدينيين والأصدقاء الإنسانية أن يدعموا المنشآت الدينية والعالمية والثقافية والإجتماعية والمدنية الموجودة إعادة للقيم الروحية كما يجب عليهم أن ينشأوا هيئات جديدة وقت الضرورة سعيا في تحقيق تلك الأهداف ولا يمكن أن نامل وضع بناء متين من الإستقرار العالمي دون تحقيقنا هذه الأعمال.
ولا بد لنا حال عيشنا في المجتمع أن نقاسم هموم وآلام أصدقائنا المدنيين ونعاطف معهم، وأن لا تتجدد معاطفتنا إلى أحبائنا فحسب، بل تشمل أعدائنا وسيكون ذلك مقياسا لقوتنا الخلقية. وينبغي لنا أن نقيم النموذج بمآثرنا الصالحة لأننا لا نستطيع بمجرد الكلام إقناع الآخرين بأهمية الديانة كما يجب علينا أن تبتنى المبادي الرفيعة من التضحية والأمانة التي نتوقعها من غيرنا، فالديانات بأسرها تهدف إلى أمر واحد، هو خدمة النوع البشري وسعادته. لذا أصبح من الضروري أن يكون استخدام الديانة دائما في توفير الهناء والمسرة للبشرية، لا فقط لإشاعتها.
إن الديانة لا تنحصر في إطار وطني ومن شأنها أن تستعمل في صالح كل فرد ولكن إستخدامها من أجله. ما يهمه لطالبها هو أن يختار من الأديان ما يفيده إلا أن الإعتناق بأية منها على وجه الخصوص لا يعني أن يقوم برد الأخرى أو مجتمعه، وفي الواقع على المعتنق بدين أن ينعزل وينصرف عن مجتمعه، بل يجب أن يتعايش بين أفراده مع وفاق وتكامل، وإن فرارك من الناس لن ينفعهم فيما إذا كان إفادتك إياهم هو غاية حقيقة للديانة. هناك أمران مهمان يجب أن لا نغفل عنهما: إستعراض النفس، واصلاح النفس، علينا أن نتابع إستعراض سلوك أنفسنا تجاه غيرنا ونواصل بموازنتها ونقوم بإصلاحها إذا وجدناها على خطاء.
أخيرا اود أن اتحدث شيئا عن الرقية المادية، إني كثيرا ما سمعت شكاوى عن التطور المادي من الغربيين برغم من أنه من بواعث الفخر والإعتزاز بالنسبة للعالم الغربي لا أرى في الرقية المادية ضررا ما بشرط أن تتحقق الأوليوية فيها للإنسان من كامل إعتقادي أنه يجب علينا تحقيق الإنسجام بين الجانبين التقدم المادي والتطور الروحي على جميع الأصعدة لحل المشكلات الإنسانية.
أما ما يتحتم علينا هو المعرفة عن جوانبهما، لأن العلوم المادية في أشكالها التكنالوجية والتقنية مهما كانت متنوعة في توفير التسهيلات للبشرية إلا أنها عاجزة عن إحلال السلام الشامل الدائم ، خذ مثالا الدلايات المتحدة الأمريكية المتقدمة أكثر تقدما في المجال التقني من بقية دول العالم. فإن القلاقل الذهنية تعمها، وسببها يرجع إلى أن يإمكان العلوم المادية وليست بقدرتها على خلق مسرات مبنية على تطورات داخلية خالية عن العناصر الخارجية.
فلا بد لنا إعادة النظر في تراث إنساني مشترك بين الشعوب العالمية بأسرها لإحلال القيم الإنسانية ونيل السعادة الدائمة، وإني أدعو لتبقى كلماتي هذه ترن دائما في الآذان وتلتفت إليها الأذهان ولا سمح الله بأن ننسى قيما إنسانية تربطنا، ناجمة عن أسرة بشرية على وجه الكوكب الأرضي.
|